مايروج إعلاميا ،وما تتداوله الألسن هذه الأيام يعطي انطباعا بأن هناك شيئا ما يحاك في الخفاء ضد الأحزاب السياسية وأن هناك توجها عاما لتهميشها ،كما أن الثقة قد فقدت فيها، وإلى ما هنالك من الانطباعات،مؤكد أن جل الأحزاب أصبحت واعية بالوضع لذلك نجدها تدعو في خطاباتها إلى توظيف ما هو اجتماعي لخدمة ما هو سياسي،ربما نظرا للأوضاع الاقتصادية التي تعيشها البلاد ،أو لأنها أصبحت ترى نفسها متجاوزة أما م اشتغال جمعيات المجتمع المدني، ونظرا من جهة أخرى لوجود من يريد تكريس البراغماتية الفردية على حساب المصلحة العامة، وتبعا لتلك الدعوة نجد أن كثيرا من الجمعيات صارت جمعيات حزبية بثوب مدني، وكأن العمل السياسي أصبح أجربا يتفادى كل واحد الانتساب إليه إلا متخفيا أو من وراء حجاب، ومن هنا نجد أن كل من أراد أن يعلو شأنه في أعين الناس عليه أن يكفر بالسياسة أولا وبالأحزاب السياسية ثانياعلى الأقل ظاهريا،ولا أعتقد اليوم أن هناك من الناس من يستطيع الجهر بانتمائه إلى حزب معين دون أن يستهدف بوابل من الشتم، والاتهام بالغباء،وتضييع الوقت في ما لا ينفع وكيفما كان هذا الحزب لن يجد أعداؤه صعوبة في النيل منه ومن قيادييه أو منخرطيه الحقيقيين.
من هنا ،ومما لاشك فيه أن الرأي العام قد وجه الآن وجهة غير سياسية، وهو التفسيرالأفضل لعزوف الناس عن التصويت في البرلمان،وليس تعبيرا عن موقف تجاه حزب معين،أو وضعية سياسية معينة ولا ننسى هنا أن الدعوة إلى التصويت بكثافة صدرت من أعلى سلطة في البلاد تعني ماتقول، وتستنهض العزم لخلق حراك سياسي منتج، يؤطر المواطن ويرشد سلوكاته سياسيا وحضاريا.
والسؤال المطروح من هي الجهة التي تريد الانقلاب على الأحزاب السياسية؟ هناك جهات متعددة،وفي مقدمتها بعض الحزبيين أنفسهم الذين ضعفت أو تلاشت عندهم العقيدة الحزبية لسبب من الأسباب الشخصية بالأساس فبقوا داخل أحزابهم يمارسون النفاق السياسي، وفي أنفسهم يسرون انتظار أن تسنح الفرصة لينتقموا لحرمانهم من منصب وزاري،أو قيادي داخل الحزب أو أي مكسب آخر لم يحققه لهم (النضال)، ثم استفراد القيادات الحزبية باتخاذ قرارات مصيرية باصطناع أغلبية موالية تباركها في تحايل واضح على الديموقراطية،يضاف إلى ذلك ترك حبل الأمور الحزبية على غاربها،واستمراء كرسي القيادة السكونية المفضلة لتسيير الأمور عن بعد،بينما الواجب يتطلب الاتصال بالمواطنين و إيلاء المناضلين الحقيقيين الأهمية التي يستحقونها،ولو على المستوى المعنوي،إذ المفروض في المناضل الإيثار،والتضحية لا اتخاذ الأحزاب مطية وصولية حتى إذا لم يتم اختياره على رأس اللائحة الانتخابية لملم حقائبه وارتمى في أحضان حزب آخر للحصول على التزكية،وأخطر سبب انقلابي ذاتي تمارسه بعض القيادات الحزبية هو العجرفة، والعنجهية، التي لايحد من غلوائها سوى فترة الانتخابات ، وترك الحرية لبعض الكتاب الإقليميين،أو المفتشين ،أو كتاب الفروع،أو رؤساء الجماعات،يسيئون إلى أحزابهم، دون أن تتدخل تلك الأحزاب التي ترى من الأفضل أن ينتسب لها رئيس جماعة خير من أن تفقده،ولا تقدر مدى الأضرار التي يجنيها الحزب من تصرف غير لائق من أي مسؤول منهم فأين الرقابة التي تعد بها تلك الأحزاب. وهناك جهة ثانية لاندري ماذا تقصد عندما تجيز تناسل هذا الخليط المطرب من الأحزاب المستعصية على العد، في مخالفة صريحة لكل الأعراف الديموقراطية، وهنا يجب الإدراك بموضوعية بأنه ليس في إمكان أي أحد أن يحاسب أي حزب مادام لم يحصل ولن يحصل على أغلبية مطلقة تمكنه من تطبيق برنامجه كاملا في جميع الميادين بل إن تكوين حكومة من عدة أحزاب لاتستطيع الظفر فيها حتى بأقل درجة من الانسجام أمرغير صحي خاصة في ظل وعي سياسي جد متدني، يضاف إلى ذلك ،وهنا العتب على من تسمي نفسها أحزابا وطنية، الهرولة إلى الحصول على عدد أكبر من المقاعد االانتخابية،دون اعتبار لأخلاقيات ، وأدبيات أحزابها،فتسعى جاهدة لاستقطاب أصحاب المال ،أو النفوذ الذين يستطيعون الفوز المضمون بمقعد باسم الحزب بطرق ملتوية، يترتب عليه أن يصبحوا هم المناضلين بينما المناضلون الذين قضوا زمنا يدافعون عن حزبهم لايلتفت إليهم،بل يتحول حضورهم مصدر إزعاج فتمارس عليهم ضغوطات تسلمهم إلى إحباط ويأس.و هناك جهة ثالثة تسعى للسير بالمغرب في طريق مجهول،مجندة كل الوسائل المتاحة،لتشكك في العمل السياسي برمته،ولاندري ماذا يمكن أن ينتج عنه لأن من سار على درب المجهول لن يجد غير متاهة من المجاهيل،ولن يستطيع المغرب أن يكون نشازا بين ديموقراطيات الدنيا،إذ إن الأحزاب السياسية هي قطب الرحى وعليها المعول، وبما أن الطبيعة لاتقبل الفراغ،فضروري إذا ما همش دور الأحزاب السياسية أن تتخلق اتجاهات سياسية غير واضحة المعالم وبالتالي خارجة عن السيطرة، يزيد من خطورتها أنها ستبحث عن أساليب غير مألوفة في العمل السياسي لتفرض نفسها حتى إذا فشلت بدورها فسحت المجال لدوامة من التجارب التي ستجعل البلاد تجتر الخيبات تلو الأخرى.
قد يستغرب البعض متسائلا ألهذا الحد تبدو الأحزاب السياسية مهمة؟ والجواب أن منطق اللعبة يفرض ذلك فكما أنك في كرة القدم لايمكن أن تستغني عن حارس المرمى ،أو الدفاع، أو الحكم،فكذلك السياسة لابد لها من مكونات حتى تسير الأمور،ومن أهم مكوناتها المؤسسات، ومنها الأحزاب،وعلى الأحزاب أن تتحول بدورها إلى مؤسسات حقيقية عوض الاستمرار في التشبث بالزعيم الأوحد،وتكريس مقولة ليس في الإمكان أبدع مما كان،وأن تفسح المجال للشباب المناضل،وليس ذي القربى أو الباحث عن التسلق السريع لاحتلال الواجهة والظهور في التلفزيون وبالمناسبة لقد رأيت أن مسؤولين كبار في أحزاب كبيرة،يطلبون من صاحب كاميرا تلفزيونية في إحدى اللقاءات العمومية أن يركز عليهم حتى تشاهدهم عوائلهم وأصدقاؤهم وربما من انتخبهم في التلفزيون لتزداد مصداقيتهم،إنه تسويق التكبر والخداع بامتياز،والأنانية.
ما يجب التأكيد عليه،وفي ظل الثقافة التي سادت بين عموم الناس،أن تتدخل الدولة،ولمصلحتها،للحد من النفور السياسي،وذلك بإعادة المصداقية للأحزاب السياسية، ولا تسعى في جعل الجمعيات بديلا عن تلك الأحزاب لأنها تفتقد إلى تصور سياسي واضح لسبب بسيط وهو أن قانونها الأساسي يمنعها من الاصطباغ بأية صبغة سياسية ربما لكي تضمن مساهمة كل أطياف المجتمع فيها مهما اختلفت مشاربهم السياسية .
في عدة خطب ملكية دعيت الأحزاب إلى اعتماد الديموقراطية الداخلية، وتطوير أدائها بما يناسب إيقاعات العصر، لكن ولحد الآن ما استطاعت أن تستسيغ ذلك مما جعلها لا تشكل قدوة سياسية لها من الجرأة ما يؤهلها لكسب تعاطف الشعب، ومن المفروض أن تنبع الجرأة السياسية من الأحزاب السياسية وخاصة الوطنية (التي لها غيرة وطنية حقيقية،ولا أقصد هنا المقابلة القديمة بين الوطنية والإدارية)وليس من غيرها،فقلما نسمع أن مسؤولا حزبيا استقال من تلقاء نفسه،فإما طرد،أو أقيل،أو رفض منصبا ،على عكس الدول الأخرى التي تشكل فيها الاستقالات مؤشرا على الحيوية والتتبع،ومحاسبة الذات،كما تتيح الفرصة لضخ دماء جديدة في أحزابها التي ترفض أن توصف بحزب الكاتب الأول أو الأمين العام،لأن الحزب هو الإطار الذي يستوعب كل المناضلين وليس الشخص هو الإطار الذي يستوعب الحزب.





