أدغال عصرية

مدونة سياسيةـ ثقافية

انقلاب على الأحزاب السياسية

 

                                          

 

مايروج إعلاميا ،وما تتداوله الألسن  هذه الأيام يعطي انطباعا بأن هناك شيئا ما يحاك في الخفاء ضد الأحزاب السياسية وأن هناك توجها عاما لتهميشها ،كما أن الثقة قد فقدت فيها، وإلى ما هنالك من الانطباعات،مؤكد أن جل الأحزاب أصبحت واعية  بالوضع لذلك نجدها تدعو في  خطاباتها  إلى توظيف ما هو اجتماعي لخدمة ما هو سياسي،ربما نظرا للأوضاع الاقتصادية التي تعيشها البلاد ،أو لأنها أصبحت ترى نفسها متجاوزة أما م اشتغال جمعيات المجتمع المدني، ونظرا من جهة أخرى لوجود من يريد تكريس البراغماتية الفردية على حساب  المصلحة العامة، وتبعا لتلك الدعوة  نجد أن كثيرا من الجمعيات صارت جمعيات حزبية بثوب مدني، وكأن العمل السياسي أصبح أجربا يتفادى كل واحد الانتساب إليه إلا متخفيا أو من وراء حجاب، ومن هنا نجد أن كل من أراد أن يعلو شأنه في أعين الناس عليه أن يكفر بالسياسة أولا وبالأحزاب السياسية ثانياعلى الأقل ظاهريا،ولا أعتقد اليوم أن هناك من الناس من يستطيع الجهر بانتمائه إلى حزب معين  دون أن يستهدف بوابل من الشتم، والاتهام بالغباء،وتضييع الوقت  في ما لا ينفع وكيفما كان هذا الحزب لن يجد أعداؤه صعوبة في النيل منه ومن قيادييه أو منخرطيه الحقيقيين.

من هنا ،ومما لاشك فيه أن الرأي العام قد وجه الآن وجهة غير سياسية، وهو التفسيرالأفضل لعزوف الناس عن التصويت في البرلمان،وليس تعبيرا عن موقف  تجاه حزب معين،أو وضعية سياسية معينة ولا ننسى هنا أن الدعوة إلى التصويت بكثافة صدرت من أعلى سلطة في البلاد تعني ماتقول، وتستنهض العزم لخلق حراك سياسي منتج، يؤطر المواطن ويرشد سلوكاته سياسيا وحضاريا.

والسؤال المطروح من هي الجهة التي تريد الانقلاب على الأحزاب السياسية؟ هناك جهات متعددة،وفي مقدمتها بعض الحزبيين أنفسهم الذين ضعفت أو تلاشت عندهم العقيدة الحزبية لسبب من الأسباب  الشخصية بالأساس فبقوا داخل أحزابهم يمارسون النفاق السياسي، وفي أنفسهم يسرون انتظار أن تسنح الفرصة لينتقموا لحرمانهم من منصب وزاري،أو قيادي داخل الحزب أو أي مكسب آخر لم يحققه لهم (النضال)، ثم استفراد القيادات الحزبية باتخاذ قرارات مصيرية باصطناع أغلبية موالية  تباركها في تحايل واضح على الديموقراطية،يضاف إلى ذلك ترك حبل الأمور الحزبية على غاربها،واستمراء كرسي القيادة السكونية المفضلة لتسيير الأمور عن بعد،بينما الواجب يتطلب الاتصال بالمواطنين و إيلاء المناضلين الحقيقيين الأهمية التي يستحقونها،ولو على المستوى المعنوي،إذ المفروض في المناضل الإيثار،والتضحية لا اتخاذ الأحزاب مطية وصولية حتى إذا لم يتم اختياره على رأس اللائحة الانتخابية لملم حقائبه وارتمى في أحضان حزب آخر للحصول على التزكية،وأخطر سبب انقلابي ذاتي تمارسه بعض القيادات الحزبية هو العجرفة، والعنجهية، التي لايحد من غلوائها سوى فترة الانتخابات ، وترك الحرية لبعض الكتاب الإقليميين،أو المفتشين ،أو كتاب الفروع،أو رؤساء الجماعات،يسيئون إلى أحزابهم، دون أن تتدخل تلك الأحزاب التي ترى من الأفضل أن ينتسب لها رئيس جماعة خير من أن تفقده،ولا تقدر مدى الأضرار التي يجنيها الحزب من تصرف غير لائق من أي مسؤول منهم  فأين الرقابة التي تعد بها تلك الأحزاب. وهناك جهة ثانية لاندري ماذا تقصد عندما تجيز تناسل هذا الخليط المطرب من الأحزاب المستعصية على العد، في مخالفة صريحة لكل الأعراف الديموقراطية، وهنا يجب الإدراك بموضوعية بأنه ليس في إمكان أي أحد أن يحاسب أي حزب مادام لم يحصل ولن يحصل على أغلبية مطلقة تمكنه من تطبيق برنامجه كاملا في جميع الميادين بل إن تكوين حكومة من عدة أحزاب لاتستطيع الظفر فيها حتى بأقل درجة من الانسجام أمرغير صحي خاصة في ظل وعي سياسي جد متدني، يضاف إلى ذلك ،وهنا العتب على من تسمي نفسها أحزابا وطنية، الهرولة إلى الحصول على عدد أكبر من المقاعد  االانتخابية،دون اعتبار لأخلاقيات ، وأدبيات أحزابها،فتسعى جاهدة لاستقطاب أصحاب المال ،أو النفوذ الذين يستطيعون الفوز المضمون بمقعد باسم الحزب بطرق ملتوية، يترتب عليه أن يصبحوا هم المناضلين  بينما المناضلون الذين قضوا زمنا يدافعون عن حزبهم لايلتفت إليهم،بل يتحول حضورهم مصدر إزعاج فتمارس عليهم ضغوطات تسلمهم إلى إحباط ويأس.و هناك جهة ثالثة تسعى للسير بالمغرب في طريق مجهول،مجندة كل الوسائل المتاحة،لتشكك في العمل السياسي برمته،ولاندري ماذا يمكن أن ينتج عنه لأن من سار على درب المجهول لن يجد غير متاهة من المجاهيل،ولن يستطيع المغرب أن يكون نشازا بين ديموقراطيات الدنيا،إذ إن الأحزاب السياسية هي قطب الرحى وعليها المعول، وبما أن الطبيعة لاتقبل الفراغ،فضروري إذا ما همش دور الأحزاب السياسية أن تتخلق اتجاهات سياسية غير واضحة المعالم  وبالتالي خارجة عن السيطرة، يزيد من خطورتها أنها ستبحث عن أساليب غير مألوفة في العمل السياسي لتفرض نفسها حتى إذا فشلت بدورها فسحت المجال لدوامة من  التجارب التي ستجعل البلاد تجتر الخيبات تلو الأخرى.

قد يستغرب البعض  متسائلا ألهذا الحد تبدو الأحزاب السياسية مهمة؟ والجواب أن منطق اللعبة يفرض ذلك فكما أنك في كرة القدم لايمكن أن تستغني عن حارس المرمى ،أو الدفاع، أو الحكم،فكذلك السياسة لابد لها من مكونات حتى تسير الأمور،ومن أهم مكوناتها المؤسسات، ومنها الأحزاب،وعلى الأحزاب أن تتحول بدورها إلى مؤسسات  حقيقية عوض الاستمرار في التشبث بالزعيم الأوحد،وتكريس مقولة ليس في الإمكان أبدع مما كان،وأن تفسح المجال للشباب المناضل،وليس ذي القربى أو الباحث عن التسلق السريع لاحتلال الواجهة والظهور في التلفزيون وبالمناسبة لقد  رأيت أن مسؤولين كبار في أحزاب كبيرة،يطلبون من صاحب كاميرا تلفزيونية في إحدى اللقاءات العمومية أن يركز عليهم حتى تشاهدهم عوائلهم وأصدقاؤهم  وربما من انتخبهم في التلفزيون لتزداد مصداقيتهم،إنه تسويق التكبر والخداع بامتياز،والأنانية.

ما يجب التأكيد عليه،وفي ظل الثقافة التي سادت بين عموم الناس،أن تتدخل الدولة،ولمصلحتها،للحد من النفور السياسي،وذلك بإعادة المصداقية للأحزاب السياسية، ولا تسعى في جعل الجمعيات بديلا عن تلك الأحزاب لأنها تفتقد إلى تصور سياسي واضح لسبب بسيط وهو أن قانونها الأساسي يمنعها من الاصطباغ بأية صبغة سياسية ربما لكي تضمن مساهمة كل أطياف المجتمع فيها مهما اختلفت مشاربهم السياسية .

في عدة خطب ملكية دعيت الأحزاب إلى اعتماد الديموقراطية الداخلية، وتطوير أدائها بما يناسب إيقاعات العصر، لكن ولحد الآن ما استطاعت أن تستسيغ ذلك  مما جعلها لا تشكل قدوة سياسية لها من الجرأة ما يؤهلها لكسب تعاطف الشعب، ومن المفروض أن تنبع الجرأة السياسية من الأحزاب السياسية وخاصة الوطنية (التي لها غيرة وطنية حقيقية،ولا أقصد هنا المقابلة القديمة بين الوطنية والإدارية)وليس من غيرها،فقلما نسمع أن مسؤولا حزبيا استقال من تلقاء نفسه،فإما طرد،أو أقيل،أو رفض منصبا ،على عكس الدول الأخرى التي تشكل فيها الاستقالات مؤشرا على الحيوية والتتبع،ومحاسبة الذات،كما تتيح الفرصة لضخ دماء جديدة في أحزابها التي ترفض أن توصف بحزب  الكاتب الأول أو الأمين العام،لأن الحزب هو الإطار الذي يستوعب كل المناضلين وليس الشخص هو الإطار الذي يستوعب الحزب.

 

الفتنة العظمى

 

قد يبدو من  رابع المستحيلات وربما من لانهائيتها أن تستيقظ ذات صباح وقد حمل إليك مذياعك،أو جهاز تلفازك،نبأ بتوحد الأمة العربية،والإسلامية، وأن قادة تلك الدول قد حسموا الأمر ليس اعتمادا على توجيهات أجنبية،وإنما احتكاما إلى توجيهات سماوية، وإنسانية ...، لأن الاستعمار قد استطاع أن يمرر إلينا عبر أجيال مقولة  محبطة أصبحنا نسلم  بها ،وهي أن العرب اتفقوا على أن لا يتفقوا، وأن مكانهم الذيل،وليس الرأس، وأن المسلمين عموما ليس لهم من سبيل للتوحد اعتمادا على تحاليل مؤداها أن تعدد مذاهبهم وتخلفهم، وانغماسهم   في (الماضوية)، لا يعمل إلا على تفريقهم.

من المؤكد أن بعضا من هذه  الاستنتاجات قد يوافق الصواب،لكونه يصف حالة قائمة يمكن أن تفصل على مقاسها أية دراسة تود النيل من العرب والمسلمين وتتعداها إلى أديانهم ،وخاصة الدين الإسلامي الذي أريد له أن يكون خطرا أخضر يتهدد الحضارة الغربية من حيث إنه يتوفر على منظومات عقائدية،وسياسية،وحياتية ، غير قابلة للتعايش مع المنظومات الغربية، مادامت تعتبر نفسها البديل المنقذ من وحشية العولمة الغربية ، ومن المؤكد أيضا، وإذن، أننا نحن الذين نعطي  بتصرفاتنا المشروعية لطموحات الغرب  غير المشروعة نحونا ،ونهديه حالتنا المزرية ليركب عليها دراساته واستنتاجاته الموجهة للا شعورنا مستدرجا إيانا لقبول سياسة الكيل بمكيالين،وفقد الثقة في قدراتنا نحو التوحد ونكران الذات القطرية لصالح وحدة شاملة وشاسعة.

لما اندلعت حرب جزر الفوكلاند بين ابريطانيا والأرجنتين قلنا إن الحرب حرب في كل زمان ومكان،ومن الطبيعي أن تحدث،وأن تمتد  أو تتوقف بحسب الظروف والأمكنة، مع اعتقادنا طبعا بأنها تبعا لذلك ستطول قليلا، لكن المفاجأة كانت حين توقفت في وقت قياسي لأن الدنيا قامت ولم تقعد إلى أن أخمدتها.

الغريب أن تلك الدنيا نفسها من تذكي أوار حروب  طويلة بين العرب بعضهم بعضا،وتدفعهم إلى فتنة عظمى تنطوي على حروب متنوعة،وإهدار للدم العربي دون أدنى تحفظ،فمجرد رؤية بانورامية لعالمنا العربي والإسلامي  سندرك أننا نعيش أسوء أيام تاريخنا، وأنه لاتوجد دولة عربية هانئة بحياة مستقرة فهي إما محتلة، أو تتصارع داخليا تحت مسميات متعددة مهيئة الجو للتدخلات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة،أو خاضعة لدكتاتورية مدجنة بالديموقراطية،أو تتفاعل فيها دعوات انفصالية مقيتة بتلوينات حقوقية مدفوعة الأجر ممن تغضبهم وحدة الشعوب العربية والإسلامية.وهكذا لا يمضي يوم دون أن تزهق روح في بلداننا، ولا تمضي ساعة من يوم دون أن تتوالى أخبارنا العاجلة السيئة، بل أصبحنا فضاء استثماريا لوكالات الأنباء العالم، نظرا لما يتوالى من مستجدات هائلة ، لكنها محزنة.

المثير في وضع العرب والمسلمين أنهم يملكون كل مقومات إطفاء نار الفتنة العظمى المفروضة عليهم، والتوجه نحو مستقبل واعد ، وسد كل ذريعة في وجه الطامعين بشرطين أساسيين في نظري،أولهما الابتعاد عن الأنانية،والإقبال على العلم . مركزية الشرطين المذكورين في إنهاء أزماتنا تقوم أولا على إدراك معناهما  ، فالأنانية أقصد بها ذلك الإحساس المفرط  الذي رسخه الاستعمار حيال الوطنية القطرية كمقدس لا يمكن التفاوض بشأنه،وداخل الوطنية القطرية رسخ وطنيات عرقية،أو مذهبية لا يمكن التفاوض بشأنها أيضا، وكلها إجراءات لجعل كل تقارب بين الدول العربية والإسلامية أمرا مستحيلا، لأن بذور التفرقة مزروعة حتى داخل الوطن الواحد، وعلى الحكومات أن تستنفذ الطاقة لضمان وحدة الوطن الواحد داخليا، وبالتالي لن يكون في مقدورها استيعاب إمكانية وحدة بين أقطار أخرى ولو كانت في نفس السفينة وتعاني نفس الاستهداف،يضاف إلى ذلك تضخيم أنا السلطة لدى المسؤولين العرب والمسلمين،وجعل صلاحياتهم القيادية دوليا مرتبطة بمدى قدرتهم على تنفيذ التوصيات الغربية التي تستخدم التضليل المخابراتي لرهنهم داخل هواجس أمنية خيالية ضد بعضهم البعض :التخويف من أسلحة الدمار الشامل العراقية غير الموجودة خير دليل،والتي روجت المخابرات الأجنبية بأنها موجهة ضد دول عربية قبل غيرها.أما شرط العلم المقصود هنا فهو المقابل للغفلة التي وصف بها القرآن الكريم الأنعام التي تستمر في الأكل والشرب رغم أنها ستذبح (بعد ربع ساعة)،فالسياسات الاستعمارية التي كشرت عن أنيابها،و أنشبت أظفارها في أفغانستان،والعراق، وفلسطين، وتتربص بلبنان،والسودان، وحركت فتنا داخل بلدان أخرى،وظفت غافلين تجزيئيين، مستبدلين الذي هو أدنى بالذي هو خير، لا تلبث أن  تقصم ظهورهم بمجرد انتهاء مدة صلاحياتهم لما يعاكسون مصالحها.

الأرضية الصلبة التي لن تزل فيها القدم ،وتشذب عليها غلواء الأنانية، وتنبه الغافلين، هو تمثل وتطبيق  الأوامر الإلهية الرافعة لشأننا بالأمة(كنتم خير أمة أخرجت للناس...)قرآن كريم ،وبعد ذلك لا بأس من التأسي بهذا الغرب في الوحدة حيث استطاع رغم اختلاف اللغات ،والأديان، أن ينسج وحدة أممية باهرة يحس فيها مواطنوه ،وزائروه، بمعنى الحرية وسعة الأفق السياسي القائم على نكران الذات القطرية،والعلم بأهمية الوحدة الضامنة للتكامل الاقتصادي،والسياسي،والدفاعي. وبذلك نضع حدا لفتنتنا  التي لا تزداد إلا استشراء.

أتمنى أن تصبح أخبارنا العاجلة،مفرحة غير مقرحة،وتهيمن على أمتنا روح الوحدة  الجامعة لا روح الاقتتال و التطاحن  المذهبة لرياح القوة والأمل.

سبل تغيير سلوكاتنا المشينة

مما لايقبل المماحكة أن بعض سلوكياتنا المشينة  قد تعود علينا بنفع شخصي،مما يجعلنا نتمادى فيها غير شاعرين بمقدار الإساءة التي تلحقنا منها تماما كما الخمر التي أمرنا الله سبحانه وتعالى باجتنابها لكبر إثمها رغم تضمنها منا فع للناس ، ومع ذلك يفضل بعض الناس عن طريقها اقتناص لحظة هوسية  عابرة ضاربين عرض الحائط بالقاعدة الفقهية المشهورة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح،وقد أجاد الشيخ الشعراوي في شرحها مبينا أنه لو وجد شخصان أحدهما يعطيك تفاحة والآخر يقذفك بحجر فأنت ستبادر أولا إلى منع الحجر من إصابتك ولن تلتف حينها إلى التفاحة حتى تبعد المفسدة .

 إنه باستقراء بسيط لسلوكياتنا سننتهي إلى أننا نسير في اتجاه عكس القاعدة المذكورة تماما،فبما أننا لانجد حرجا في تقديم الرشوة للحصول على منصب،أو للتخلص من غرامة طرقية،و لانجد حرجا في  توقيف سياراتنا فوق الرصيف المخصص للمارة، ولا نتوقف عن الكلام النابي داخل السيارات العمومية،ونرفع أصواتنا بمناسبة وغير مناسبة للتفوه بالتفاهات نكون فعلا نسير في اتجاه الخطأ المغلف بالمصلحة الشخصية المدمرة.

مرة وفي زحام كبير،وسط مدينة شمالية داهمها زوار كثر،وباجتهاد شخصي يعتمد الضرورات تبيح المحظورات،طلبت من صديق لي، يعيش في الغربة، كنت معه في سيارته بأن يركنها على رصيف المارة مؤقتا ،ولفترة وجيزة بمقدار شرب فنجان قهوة تعيننا على تعب الصيف بعد رحلة شاقة،فنظر إلي مندهشا ،قائلا أتريدني أن أقوم بما ذكرت،قلت له وما البأس في ذلك انظر كم سيارة متوقفة على الرصيف،فرد سريعا،وانظر إلى أعداد الناس الذين احتلت تلك السيارات أمكنة مرورهم فأصبحوا يسيرون وسط الشارع معرضين أنفسهم للخطر،وأنا لا أريد أن أتتسبب في إيذاء أحد. فاضطررنا للخروج من وسط المدينة إلى خارجها، حيث وضعنا السيارة في مكان آمن وقانوني وامتطينا سيارة أجرة وعدنا لوسط المدينة.

إن سلوك هذا الصديق،سيبدو،ربما، عند كثير منا موغلا في الحماقة،ومضيعة للوقت،والبنزين،لكنه من وجهة النظر الإنسانية والقانونية،درء لمفسدة أدركها هو بفعل التربية التي تلاقها،وبالجو العام الذي يعيش فيه ، وبعدم الاستخفاف بالأمور المؤذية للغير رغم نفعها لنا.

لقد أبدعنا في بلادنا،وربما في البلدان العربية الله أعلم،طرقا كثيرة للتحايل على القانون،وأخضعناه لأهوائنا، ولعلاقاتنا الشخصية،إذ أي تفسير ستعطيه لتصرف مسؤول طرقي حيال مخالفتين من نفس النوع  حيث يعاقب واحدا ويكتفي بالسلام على الآخر،والابتسام في وجهه،ويحدد معه موعدا مسائيا يكفر فيه عن سيئته، وأي تفسير ستعطيه لمثقفين(أشباه مثقفين) يتحايلون على سرقة جمعية مجتمع مدني،طبعا بالقانون، وبطريقة المرحوم إدريس البصري، لما وجهوا دعوات إلى أشخاص معينين موالين لهم ليحافظوا على تسيير الجمعية،ودفع الجمع العام المدجن للتصويت على أشخاص غائبين واستثناء فاعلين حقيقيين يستطيعون السير الحثيث بالجمعية المذكورة ذات النفع العام؟

قد نقبل تصرفات حمقاء من أميين أو نتلمس لها الأعذار لكن عندما يصبح (المثقف)يدلي بدلوه في تكريس سلوكيات مرفوضة أخلاقيا،ودينيا،وإنسانيا،وقانونيا نكون فعلا قد وصلنا إلى الحضيض الأسفل.

ولدي تجربة في تسيير جماعة محلية يقودها مثقف(مجاز في مادة ترفض كل أشكال التحايل)،جعلت سكانها يحنون إلى تسيير من كانوا يوصفون بالأميين،إذ إنهم أدركوا أن الطاقة الثقافية للمعني وجهت أساسا للتحايل،والإرضاءات،والصفقات،وإثقال كاهل الجماعة المذكورة بالقروض العبثية، ومن الغريب أنه لم يبق وحده في التخطيطات التحالية،بل انظم إليه أشباه مثقفين آخرين،لاهم لافي العير ولا في النفير لتسويق تلك الأعمال، مقابل مصلحة شخصية ضيقة على حساب الجماعة.

وتتفاقم الوضعية لما نخبر عبر وسائل الإعلام أن معلما،يعتدي جنسيا على قاصرين، فمن المؤكد أن الشعور بالإحباط سيكون واسعا لدى الآباء،ولدى الأبناء أنفسهم، لأن شريحة المعلمين والأساتذة هي من يعول عليها في إحداث تغييرات سلوكية من الأقبح إلى الأحسن لدى الشباب،والأطفال، ولدى الأجيال عامة، لكن مصدر اطمئنانا في هذه الواقعة أنها معزولة وترتبط ربما بانحرافات شخصية محدودة مقارنة مع ما تعج به بلادنا من مظاهر وسلوكيات اتسعت لتشكل ظواهر طاغية.

إن تغيير السلوكيات يقتضي تضحيات شخصية كبيرة ومكلفة أحيانا، تنطلق من القناعة،والطمأنينة، وإدراك القيمة الإنسانية التي فطر الناس عليها،وفي مقدمتها الإيثار، فسلوكياتنا المنحرفة تكاد تكون كلها نابعة من أنانية متوحشة، لا أدري هل أذكتها فردانية العولمة أم إن الناس ابتعدوا عن الجبلة الأولى  الصافية،نحو مقولة أشد  تطرفا في حب الذات قائمة على (أنا وبعدي الطوفان).

يوم يغادر النوم جفوننا  مستهجنين أننا أعطينا رشوة ، أو تزاحمنا على ركوب حافلة،أو قذفنا بأعقاب السجائر والبصاق،والأزبال،في الطرقات العامة،أو قبلنا الانحشار بستتنا في سيارة أجرة كبيرة كالفئران وهي مخصصة لأربعة،وتسير بسرعة جنونية،أو تركنا أولادنا لحالهم يفعلون ما يريدون في مدارسهم دون أن نعرف أحوالهم،أو لا يدخلون إلى منازلهم حتى الهزيع الأخير من الليل مخمورين،أو مخدرين، أوخطبنا على خطبة أحدنا،أوبعنا على بيعه،أو اعتبرنا المسؤولية السياسية وسيلة لنهب المال العام أو.....الخ.  نكون قد وضعنا اللبنة الأولى

في بناء التضحيات المؤدي إلى إحداث تغييرات مهمة في سلوكياتنا القبيحة إلى سلوكيات حضارية ،وإنسانية مستحسنة ضامنة لمجتمع نقي وجميل.

سيميائية التعليقات الإليكترونية

سيميائية التعليقات الإليكترونية

 

بدءا ،وبالتطور التكنولوجي الحاصل اليوم، وبانتشار استعمال الأنترنيت وظهور صحف إلكترونية محينة على مدار الساعة تبعا لذلك، أصبح بإمكان كل  القراء أن يشحذوا أقلامهم إذا ما آنسوا في أنفسهم القدرة على الكتابة،مستفيدين من هامش الحرية الواسع المتاح ولا فضل لأحدهم على الآخر إلا بالقدرة على إيصال الفكرة، وتحمل المسؤولية في القول ،وحسن التبليغ اعتبارا لما ذهب إلى الجاحظ في كون المعاني معرضة في الطريق يعرفها العربي والعجمي ،وإنما مدار الأمر على النظم،وبذلك انزاحت غمة البحث عن منبر للإدلاء برأي وما يستتبع ذلك من ضرورة عقد الصلات  الاجتماعية مع المحررين ،لترى كلماتك النور،ولعل القيمة المضافة في الصحف الإليكترونية أنها جعلت سهم الرسالة message يسير في الاتجاهين عكس الصحف الورقية التي تفرض، مع احترامنا لها، على القارئ أن يكون متلقيا فقط،وهو مخير بين أمرين إما أن يقبل الرسالة أو يطوح بالجريدة  بأكملها في ترعة من الترع، وربما تمزيقها كلها غضبا على مقال لم يعجبه.

لقد جنبت الصحافة الإليكترونية ،بطبيعتها ،القارئ مصيرا مؤسفا حيث كان عليه أن يكسر شاشة حاسوبه لو استفزه مقال بأن أشرعت أمامه باب التعليقات على ما تضمنته من مقالات،منبهة إلى ضرورة التزام بعض الضوابط الأخلاقية الأساسية المرافقة لحرية التعبير، وتركت له ،مع ذلك، حرية غير محدودة ، معولة على ضميره في تمثل القيم الإعلامية ،وتجسيدها في التعليقات،التي أصبح الإقبال عليها كبيرا مما يعكس تفريغ رغبة كانت متحمسة للمشاركة في النقاش وإبداء الرأي.،درجة أصبح بالإمكان دراسة سيميائية تلك التعليقات، وخاصة في هسبريس التي يمكن القول إنها أصبحت تنافس حتى أعتى الفضائيات العربية ،التي خصت نفسها بوجود إليكتروني على الشبكة العنكبوتية،تحيل عليه كلما انتهت نشرات أخبارها.

إن أول مايميز التعليقات التي تعمدت الوقوف عند بعضها، لكن بكثرة وتنوع، أنها انفعالية تأثرية،تصدر ملاحظات عفوية ومتسرعة، مما يسقطها في التناقض،  والتجزيئية، وضيق الأفق، يفقدها قيمتها الفكرية كأساس لبناء  تصورات لمستوى المعلق على المقال الذي غالبا ما يتخفى وراء إسم مستعار للإفلات من أية مساءلة قانونية،أو أخلاقية، تعاقد مع الصحيفة على تحملها بمجرد وضع مؤشر فأرته في خانة التعليقات ثم الشروع في الكتابة،وأخيرا التصديق على إرساله  للصحيفة.

 وأول ما يستنتج من هذا السلوك ،عدم الاكتراث بالتحذير القانوني،والتحايل عليه من المعلق بالتستر ، وفسخ كل القيود الأخلاقية ثم الانطلاق نحو آفاق أرحب من الكلام الذي لن يكون له بالطبع تأثير مباشر على كاتب المقال بقدر ما يشكل،ربما،حالة نفسية يمكن دراستها لكل معلق على حدة،أو تتعداها مجتمعة لدراسة حالة اجتماعية، لاتزال خلفياتها الأمية أكبر محرك لها بالنظر إلى نسبة عالية من تلك التعليقات.

إن الإجراءات الاحتياطية التي يتخذها المعلق تؤشر ثانيا،على النية المسبقة في مخالفة الضوابط التي تعتبر لدى الغالبية قيودا،والمكرسة أصلا في المجتمع حيث يتم الفرار من المواجهة، ويكتفى بالحديث من وراء حجاب، بينما الوفاء للضوابط يعتبر لدى الدول المتقدمة بداية السلم في الحقوق والواجبات، والتطور في كل المجالات ، نجده عندنا قولبة ضرورية لتجنب( شر) تحمل المسؤولية.

جل التعليقات لاتسلم من المزج بين اللغة العربية،واللغة الدارجة أو التعليق بلغة أجنبية رغم أن المقال مكتوب باللغة العربية، مما يعني أن هدف المعلق ليس تبليغ رسالته إلى الكاتب أو توضيح جوانب المقال بل اهتبال فرصة التعليق لتبليغ رسالة إلى قراء مفترضين للمقا ل وإلى الناس أجمعين، لم يكن يحلم المعلق أن يقرؤوا له لولا وجود المقال وكاتب المقال، ولذلك يتحول التعليق إلى نقد في كثير من الأحيان للكاتب المشهور،والمقال المميز المرتبط بالهموم القومية،أو الوطنية، وتمرد على رتابة قوانين الكتابة .

لاتسلم التعليقات من استعمال بعض الكلمات الجارحة إما كردة فعل على فكر ممجوجة لدى المعلق في المقال حقيقة،أو تعويضا عن شعور بمنقصة غياب القدرة على مطاولة الكاتب في جرأة الظهور،و نظم الأفكار، وإيصالها إلى الناس من خلال موافقتها لضوابط قبلتها الصحيفة،فأذاعتها في الناس باسمه الحقيقي، ويفترض في الكاتب وفق منظور اتجاه تلك التعليقات أن يكون منضبطا يعني ضعيفا،وفي المعلق أن يكون غير منضبط يعني قويا: لايقدر الكاتب أن يجرح،أو يسب لأنه ظاهر،ومعلوم،بينما يمكن للمعلق ذلك لأنه متخفي ومستتر.

في كثير من الأحيان تتحول التعليقات إلى منتديات بين المعلقين بعضهم بعضا، إثباتا لذات لم يسعفها الحضور في خضم مناقشة واعية للمثار في المقال، فتحول الاتجاه لتبادل الاتهامات والاتهامات المضادة ، إمعانا في الاستفادة من شعبية الصحيفة،والمقال،والكاتب.

إلا أن هناك تعليقات،ولكنها قليلة، مقارنة مع الأخرى، تنحو نحو الرصانة،وتشكل قيمة مضافة للمقال، بالتركيز على الأفكار والابتعاد عن النعوت السخيفة للأشخاص، لأن الأمر كله في نهاية المطاف،هو خلق نقاش دافيء ومقنع، لابلورة أحقاد،أو إشاعة قاموس مبتذل غير ذي فائدة.

إن التعليقات رغم كل ما يمكن أن يقال عنها،تبقى مؤشرا على درجة تفاعل القاريء مع الصحيفة، ومع محيطه الإعلامي،والسياسي،

والفني،والثقافي، وتطعيما لثقافة قبول الآخر كما هو، بسلبياته،وإيجابياته. إنه عصر التواصل الحي والخبر الطري.

وكل تعليق  و المعلقون بخير.

سنوات الفن والرومانسية والرخاء

 

                             

 

لا تكاد تفتح جريدة أو مجلة مغربية دون أن يقع بصرك على عنوان بالمنشط العريض يشير إلى سنوات الرصاص،ويقصد بها طبعا فترة حكم الملك الحسن الثاني رحمه الله مما يوقع المتلقي ،خاصة الذي لم يعايش تلك الفترة، في أحابيل السوداوية،والتشاؤم، ويجعله يصطف هو الآخر ليرتدي نظارة قاتمة،تظهر له الدنيا ليلا في واضحة النهار، ذلك أن الذين يتحدثون عن سنوات الرصاص لا يشيرون على الأقل من باب الأمانة العلمية،إلى أن الأمر يتعلق،ربما،بقتامة سياسية في الميدان السياسي،وبالضبط في الصراع على السلطة، والتربص بالملك لإنهاء حكمه بطريقة مأساوية، مما جر على البلاد كثيرا من المشاكل، كان الناس في غنى عنها، حيث تبعا لذلك تم استفراغ الوسع في اتخاذ الاحتياطات،واعتبار كل من يعارض يهدف إلى الإخلال بالنظام العام،ولابد أن يكون لذلك التوجه الذي قاده مغاربة مؤطرون من الخارج، ومحمسين بدعوات الاشتراكية،والشيوعية، موضة السبعينات،والثمانينات، نتائج ترتبت عن الشد والجذب بين الطرفين الحكم والمعارضة.

لكن وبموازاة ذلك،كان هناك شيء آخر، يشمل الميادين الفنية،والاجتماعية،والاحتفالية ... عاش الناس أيامهم،منصرفين إلى أعمالهم، يحثون أبناءهم على الدراسة والتحصيل وهم متأكدون أن مستوى السنة الثالثة إعدادي يضمن لهم الخبز، أما البكالوريا فالضمانة أوفى وأوثق، و أما الإجازة فمن كمال العقل ورضا الله  لأنها تقود إلى مراتب في الوزارات،والسفارات، ولم لا مناصب عليا في الدولة، ولا زلت أذكر أن احتفالات كانت تقام للناجحين من طرف عوائلهم يشاركهم فيها الأصدقاء وأبناء الحي أو المد شر.

في هذا السياق لابد من الإشارة إلى أن ثمن لتر من الزيت لم يكن يتعدى درهمان ونصف، أما البنزين فبثمانين سنتيما، وسيارة رنو 4 جديدة ب 7000 درهم، وثمن التذكرة للحج ب 3000 درهم. أما أمطار الخير فكانت تمكث بين ظهراني الناس ثلاثة أشهر، ولما تنقشع سحبها  كانت تفتر عن جمال أخضر أخاذ،ووديان  وأنهار ضاحكة ألهمت كثيرين من الشعراء من مثل عبد الرفيع الجواهيري حيث تفتقت قريحته عن رائعة القمر الأحمر، وراحلة التي لم تنأ عن الاستلهام من أجواء الرومانسية، بخضرتها وعصافيرها.

في هذه التربة أيضا،نبث فن رفيع، وتوالت الإبداعات مبتدئة بالشيخ عبد الرحمن بن موسى بصوته الشجي، وقراءته المغربيةالأصيلة متبوعة بتفسير الشيخ المكي الناصري القريب من قلب السامع ووجدانه، مرورا بروائع عبد الوهاب الدكالي، وعبد الهادي بلخياط،وجيل جيلالة،وناس الغيوان، وانتهاء بإنجازات أحمد فرس، والهزاز، والزاكي، وبينهم  فرجة بزيز وباز،والدسوكين والزعري، وقشبال وزروال. ولم يكن الشرق بعيدا عن المغرب في تلك المرحلة حيث أم كلثوم،وعبد الحليم، ونجاة الصغيرة، وغيرهم... فكان لهم حظهم من إمتاع المغاربة.

أما على مستوى الإعلام  المكتوب فالحركية كانت محصورة بين جريدتي العلم والمحرر، لم تكن الصحيفتان رغم جو التوتر السياسي،تقتصران على المجال السياسي بل تخصصان صفحات للثقافة،والرياضة، وتفردت العلم بملحق الفكر الإسلامي،ولازلت أذكر سجالا كان يدور آنذاك على صفحاتهما  بخصوص كتاب كان أصدره نجيب العوفي عنوانه درجة الوعي في الكتابة، ربما معارضا عنوان رولان بارت درجة الصفر في الكتابة،لم يرق الإصدار لأحد النقاد فانبرى على صفحات العلم  منتقدا الكتاب،والكاتب يرد على صفحات المحرر، فكان القاريء يضطر لشراء الصحيفتين ليتمتع بجو ثقافي رائع يذكر بسجالات العقاد،وطه حسين،ومصطفى صادق الرافعي في مصر، وكان الطلبة يقبلون على ذلك العراك الثقافي بنهم كبير، ويجدون في دراستهم ليكونوا في مستوى الكتابة،والنقد، وعلى مستوى الإعلام المسموع  فكانت إذاعة الرباط،وإذاعة طنجة،الإذاعات الجهوية الأخرى تتفانى في تأثيث الأثير ببرامج هادفة،وذات مصداقية.

 وبخصوص الجو الثقافي فكان يبدأ منذ الوهلة الأولى مع الأستاذ أحمد بوكماخ،ويمر بالمتنبي، وعلي الجارم،ومحد عابد الجابري، وسليم يفوت،وأحمد السطاتي،وعبد الكريم غلاب، ومحمد الحلوي، الذين جعلتهم المناهج الجديدة غير معروفين لدى الطلبة أو بالكاد يعرفون .وكانت المؤسسات التعليمية ثانوية،أو جامعية ،تعمل بما تستطيع به رفع شأنها من خلال عدد المبدعين، والكتاب الذين يرشحون عنها، فكانت جامعتا الرباط  وفاس من تقودان الحركة الفكرية، بزعامة أساتذتها الكبار، محمد السرغيني،ومحمد عابد الجابري وآخرون،ممن أصلوا لموسوعية المعرفة الفكرية،والفلسفية،والشعرية. فكان طبيعيا أن تظهر مجلتا أقلام،ولاما ليف، ودروس في الفلسفة،والفكر الإسلامي...وكان لابد أن ينخرط المثقفون في تأسيس رؤى إبداعية سامية.

أما مناسبة عيد العرش،رغم ما كان يقوله المعارضون عنها نظرا لتجاوزات بعض أصحاب السلطة،فكانت فرصة لا تعوض لجميع المغاربة لكي يظهروا إبداعاتهم، وبهجتهم،وما يرافق ذلك من أغاني وطنية  لايمكن إنكار مستوى كلماتها،ولحنها،إذ إن المناسبة تمتح من خلفية نضالية مشتركة بين العرش والشعب،ذلك أن الاستعمار كان يعتبر الاحتفال بعيد العرش تحديا،وتكريسا للسيادة والحرية.

أهم مميزات الاحتفال في المرحلة التي أتحدث عنها هو اعتبار أيامه أيام اجتماع القبائل، والدواوير، في مراكز تربط الأواصر، وتقوي عرى التواصل بينهم، ومثله كان في المدن  بين الأحياء والحارات مع ما يصاحب ذلك من أجواء حرية تكاد تكون مطلقة احتفالا ولكن مضبوطة أمنا.

 

من الصعب الوقوف عند تفاصيل كل المرحلة لبيان أنها لم تكن شرا كلها كما يحاول البعض أن يصورها،ولكن كانت مرحلة حياتية فيها الغث ،والسمين،ولكنها لم تكن أقل حظا من الفنية،والرومانسية،والإبداع والرخاء.

 

 

اقتراضات الجماعات أية آفاق؟

  اقتراضات الجماعات أية آفاق؟

 

 

لم يبق من عمر المجالس القروية أو البلدية المغربية غير سنة،وبضعة أشهر،حيث ستجرى انتخابات البلديات ،والجماعات القروية على الأرجح صيف 2009،وربما كما الانتخابات البرلمانية في شهر شتنبر، مما استنفرآلة تلك البلديات والجماعات القروية،وحفزها لنبذ الصدأ الذي اعتراها طوال الفترة الماضية،بهدف ترك انطباع لدى الناخبين بأنها لم تغمض لها عين منذ أن حلت بمقراتها،كل بطريقتها طبعا،منها من استعطف رئيسها الأعضاء،ومنها من هربهم رئيسها إلى أماكن بعيدة مخافة أن يستيقظ ضميرهم عندما يفكرون في تسييره الفذ، ومنها من صور لهم رئيسها أنهم مستهدفين من جهات حاقدة تتربص بهم الدوائر فصدقوا وصوتوا، وأصدروا مقررات وصوتوا عليها أيضا رغم أنها في الغالب لا تعدو مجرد ذر للرماد في العيون، أو تلوينات دعائية انتخابوية سابقة لأوانها.

طبعا هذا الجو الذي رافق  تشكيل غالبية المجالس البلدية أو القروية ،ألقى بظلاله على الناخبين، وجعلهم ينظرون إليها، بعيون الريبة والشك، وأدركت  هي أن الشعبية لامحالة متدنية،فكان عليها أن تجدد العهد ولكن بطريقة أشد إيلاما، وأبلغ أثرا،ويتعلق الأمر باللجوء إلى الاقتراض من صندوق التجهيز الجماعي،وبمبالغ طائلة، لتمويل مشاريع أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة، وبمباركة السلطات الوصية، مما يطرح تساؤلات كثيرة  منها لماذا الاقتراض الآن؟ لابد أن البلديات أو الجماعات إياها، لن تعدم تبريرا،ولن تبخل بتشنيف أسماعنا بمقولات الغيرة الوطنية، والتخطيط للرفاهية والتنمية، ومن حقها أن تفعل ذلك،ولكن عندما نقدم نموذجا ولو واحدا لجماعة قروية قررت أن تقترض 500 مليون سنتيما،لشق مسالك  بالمداشر، سيفهم الجميع مدى الاستخفاف الذي أصبح رؤساء المجالس يتعاملون به مع الناس.

قال أحد العارفين ،وقد علم بالواقعة، إن صاحبكم يريد أن تكون المسالك كثيرة، حتى يفتت الميزانية،إلى صفقات صغيرة، يتم صرفها مباشرة دون اللجوء إلى قانون الصفقات العمومية، مما يطلق يديه الكريمتين للتصرف بحرية أكثر، وقال آخر إنها خطوة جريئة لأجل رهن مصير الجماعة مدة 10 سنوات في خدمة الدين،وعلى التفكير في التنمية السلام.

والأدهى أنه كان قد اتخذ مقرر من طرف أعضاء رئيس الجماعة المذكورة بشراء،جرار لفتح المسالك،فأية مسالك سيصرف عليها القرض،وهنا لابد من الإشارة إلى موقف كانت أكدت عليه السلطات الوصية بالعمالات، وهو ضرورة صرف الميزانيات في مشاريع واضحة، ومنتجة، لا تشتيتها مثلا في مسالك،سترحل مع نزول المطر.فما الذي غير موقفها ذاك.

 ولم تفتأ الجرائد الوطنية، ارتباطا بنفس الموضوع، تطلع علينا متضمنة مواقف المواطنين الرافضة لعملية الاقتراض هذه في شتى أنحاء المغرب، باعتبارها دعاية انتخابية سابقة لأوانها،واتجاها لرهن مستقبل الجماعات والبلديات  تطبيقا لمقولة ( غادين غادين لاخير نديروه).

لم يعد الناخب المغربي، في اعتقادي تنطلي عليه الخدع،والأضاليل، لذلك على الجماعات والبلديات أن تتصرف بوعي،وحكمة،ومصداقية،لا باندفاع أمام بريق المال العام، وأن تدقق في العثور على جواب موضوعي للسؤال التالي،و ماذا بعد الاقتراض؟

أشعار علمية،وحكم إنسانية من المستطرف.

في زمن تلهى فيه الناس بالوضيع،ونبذوا الرفيع،وساروا يتطلعون إلى ما في أيدي الناس من جاه ،وضاع العلم بين ثنايا التباهي بمكاسب آنية،كان لزاما،التوجه إلى بطون بعض الكتب التي لفها الغبار لاستخراج ما انطوت عليه من كنوز نادرة،وإبرازها للقاريء الكريم،من أجل المتعة  ،والاستفادة،فكانت الوجهة، كتاب المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي.

أشعار علمية:
فإن قلت زند العلم كاب فإنـــما     كبا حين لم نحرس من حماه وأظلما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم      ولو عظموه في النفوس لعظمـــا
لكن أهانوه فهانوا ودنــــــــــسوا      محياه بالأطماع حتى تجهمــا

العلم أنفس شيءأنت داخــــــره       من يدرس العلم لم تدرس مفاخره
أقبل على العلم واستقبل مقاصده     فأول العلم إقبال وآخـــــــــــــــره

وإذا لم يزد علم الفتى قلبه هدى      وسيرته عدلا وأخلاقه حسنا
فبشره أن الله أولا فتنة                تغشيه حرمانا وتوسعه حزنا

تعلم إذا ما كنت لست بعالم          فما العلم إلا عند أهل التعلم
وتعلم فإن العلم أزين للفتى          من الحلة الحسناء عند التكلم

شكوت إلى وكيع سوء حفظي      فأرشدني إلى ترك المعاصي
وذلك أن حفظ العلم فـــــضل       وفضل الله لا يؤتى لعاصي

لاتذخر غير العلوم                   فإنها نعم الذخــــــــــــــائر
فالمرء لو ربح البقاء                مع الجهالة خـــــــــــــــاسر

كن عالما وارض بصف النعال    ولاتكن صدرا بغير الكمــــــال
فإن تصدرت بلاآلـــــــــــــة      صيرت ذاك الصدر صف النعال

لكل شيء زينة في الورى       وزينة المرء تــــــــــــــمام الأدب
قد يشرف المرء بآدابه            فينا وإن كان وضيع النســـــــــــب

في الناس قوم أضاعوا مجد أولهم    ما في المكارم والتقوى لهم أرب
سوء التأدب أرداهم وأرذ لهم         وقد يزين صحيح المنصب الأدب

حكم  مضيئة:
ـــ قيل لأفلاطون: ما الشيء ال\ي لايحسن أن يقال وإن كان حقا، قال: مدح  الإنسان نفسه.
ــ  الغرة ثمرة الجهل.
ــ من طلب الدنيا بعمل الآخرة فقد خسرهما،ومن طلب الآخرة بعمل الدنيا فقد ربحهما.
ـــ ومن جاد بعرضه  ذل.
ـــ  من سالم سلم ، ومن قدم الخير غنم.
ـــ من قلت فضائله ضعفت وسائله.
ـــ من ساءت أخلاقه طاب فراقه.
ـــ الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية.
أمثال سائرة:
ـــ إياك أن تضرب بلسانك عنقك.
ــ شر أيام الديك يوم تغسل رجلاه.
ـــ كثرة العتاب توجب البغضاء.
ـــ طرف الفتى يخبر عن لسانه.
ـــ للباطل جولة ثم يضمحل.
ـــ  النفس مولعة بحب العاجل.
ــ من سعادة المرء أن يكون خصمه عاقلا.

وإلى لقاء آخر، إن شاء الله.


 

أهواك

أهواك بين ظلال علب الزيت
ولهيب السكر.
أهواك حين لم تعد للشفق حمرة
ولا الليل ارخى سدوله
ولا الشاعر قرر القول
وكلامنا لم يعد لفظا مفيدا
تشابكت الأسماء بالأفعال
وضجت الحروف من معانيها
قلت: هل للكتابة سلطة الغوص في ثنياك
ام أن مدادي لونته حكايا العراق
 فتاه في أمداء هلامية
باحثا عن سرشتاتنا المبين.
كل الآيات ووصايا الرسول
كل الآهات،
تمنع عنها دمنا المهدور في كل الأنحاء،
مدادنا أحمرهل يغوص في ثناياك.
كل وضعنا،كل غلائنا، رسالة إليك،
فلاتحلمي
لن أهواك وأنسى روحي وياك،
فهي منسية في كل الدروب،
مطاردة في كل الأزقة،
شامخة في وهاد السقوط،
مترنحة بثقل ديموقراطية
حمراء.
أنا لك على طول
خيلك بعيدة
وليحيا ثمن الزيت والسكر
وحبات القمح الصلب
والكامون البلدي .
وأهواك، أهواك
إلى أن يخضر حبري،
بين أحزانك، وأوهامي.



قمة السراب العربي

لاأعلم لماذا تلح علي مقولة ليس في الإمكان أبدع مما كان كلما سمعت بانعقاد قمة عربية في مكان ما من عالمنا العربي الشاسع، ربما لكون هذه القمم لا تأتي بجديد مقارنة مع ما سبق في السبعينات، على الأقل من حيث موقف إسرائيل منها، وتخوفها من إصدار بيانات تدين أعمالها في فلسطين، وتخوف كل طرف له مشكلة مع أية دولة عربية من موقف موحد سيعطل مصالحه عند كل العرب، وأعتقد أن تلك التخوفات كانت نتيجة القرار الفريد والمتفرد من طرف جلالة الملك الراحل فيصل عندما أفهم الغرب أن العرب لازالو يتقنون ركوب الجمال، والخيل، وبالتالي فلن يزعجهم أن يستغنوا عن السيارة، والطائرة وكل وسائل النقل الحديثة صيانة لكرامتهم، فأوقف ضخ النفط، وكان الغرب أول من عاد لركوب الدراجات الهوائية، والأرجل، وتذكروا قرونهم الوسطى في عز 1973، حينها شعر كل العرب أنهم أمة واحدة قوية،وشعرت إسرائيل ومن والاها بخطورة معاندة من يصفونهم عادة بأنهم دائما يتفقون على أن لا يتفقوا.لكن أواخر السبعينات بدأت مرحلة عربية أخرى تتميز بالانبطاح، واللهاث وراء الحلول السهلة، وترسيخ فكرة القطر عوض الأمة، ابتدأت باتفاقية كامب ديفد، وانتهت بأسلو ومدريد، كل إذن أخذ يعني على ليلاه، وينفذ بجلده، مما جعل أمريكا و إسرائيل تدركان وهن العرب، بل وتتحكمان في تواريخ ، وأماكن، وبيانات القمم العربية، وتلاشت كل الممانعات، الفعلية، وبقيت بعضها الكلامية كتلك التي يطلقها العقيد القذافي بعدما أفرغت من محتواها بعد أن سلم هو الآخر ترسانته النووية لأمريكا.
لقد انعقدت القمة العربية الأخيرة، والأمة العربية أكثر ما تكون تشرذما، ومأساوية، من فلسطين إلى العراق إلى مضايقة الجزائر للمغرب في شرعية استرجاع صحرائه، مشهد مؤسف للغاية، جعل آراء الشعوب العربية من خلال استطلاعات قامت بها بعض الفضائيات وهي تواكب أعمال القمة، لاتطمئن لنتائجها، بل الأغلبية اتفقت على التدخل الأجنبي في أشغالها، عكسته الرحلات المحمومة لوزيرة خارجية أمريكا لبعض الرؤساء المعتبرين لديها مؤثرين في من تبقى، وعكسه أيضا استقبال ما يسمى برئيس العراق،تسليما بواقع أمريكي، مفروض على بلد عربي لم يتوان في وقت ما في الدفاع عن فلسطين وعن الأمة العربية جمعاء، علما أن الأعراف الدولية وقوانينها تتفق على أن كل ما بني على احتلال فهو باطل، ولو تسربل بكل أنواع الديموقراطية ، والشفافية.
لم أرد أن أشنف سمعي وبصري ببيان القمة،لاعتبار شخصي يضاف،إلى اعتبارات أخرى يعتبرها آخرون، وهو عدم قدرة القمة حتى على رفع الصوت من شدة الألم، ووصف الأوضاع بمسمياتها، وشد انتباه أمريكا ولو بأغنية إنما للصبر حدود، في مواجهة كل هذا التكالب،وإسقاط أنظمتنا فقط لأنها قالت لا لأمريكا،وإسرائيل، بيانات قممنا غير مستقلة،ولذلك لم تعد مفيدة لنا، وغير مؤثرة في غيرنا.
ليس معنى القول أن نقاطع أمريكا، فهي دولة قوية، ومتقدمة، وأهلها يطلبون العلم من المهد إلى اللحد، ولكن على الأقل نستطيع أن نفرض عليها ، وعلى الأقل أيضا، أن تعلم أن هناك صوتا في هذا العالم لأناس يسمون العرب، يتوفرون على العصب الحيوي لاقتصاد الدنيا ممثلا في النفط، يمكن إذا سرنا بهذه السياسة غير العادلة نحوهم أن يسببوا لنا مشاكل ليس في مقدور قوتنا الضاربة أن تحله.
لم أكن أتوقع ربما اعتمادا على ذكريات سابقة، ربما قد شاخت عندي هي الأخرى،أن تغازل القمة إسرائيل بدعوتها إلى قبول مبادرة عربية، والكل يعلم أن إسرائيل، لاتتحدث إلا ويدها على الزناد، ولايهمها ككل احتلال سوى ربح الوقت، فإلى متى سنظل في كل قممنا ، نجري وراء سراب للسلام،
نعلنه عربيا، رغم قناعتنا بأننا فعلا نصيح في واد.

تخليق الحياة العامة

ما من شك في أن الإنسان يختلف عن الكائنات الأخرى بكونه مخلوقا أخلاقيا له قيم ومبادئء،
ويطمح لكي يحيا حياة تسودها القيم النبيلة ، والأخلاق الحميدة، أليست الأخلاق الحسنة مناط بقاء الأمم واستمرارها على رأي الشاعر حين قال:
إنما الأمم الأخلاق مابقيت فإن هم .ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
ولعل إدراك أهمية الأخلاق هي التي دفعت بعض الحكومات ، والأحزاب السياسية، وجمعيات المجتمع المدني، للحديث عن تخليق الحياة العامة، ومن بينها المغرب طبعا الذي شهد في
الآونة الأخيرة اهتماما بالموضوع على أعلى المستويات، عندما تم التركيز على آفة الرشوة
كعامل رئيس في عرقلة التنمية من جهة، ومن جهة أخرى كمؤشر على أن الحياة العامة تحتاج
إلى تخليق جدي، يضمن كرامة المواطن، وحقوقه.
لكن الرشوة هي مظهر واحد من المظاهر الأخرى الكثيرة التي يجب التركيز عليها وهي لاتقل خطورة عن الرشوة من حيث إساءتها إلى كرامة المواطن ، وخدشها لقيمة انتمائه إلى وطنه،وبهذه المناسبة لابد من الحديث عن دور الهيآت المنتخبة ، في بلورة فكر أخلاقي متطور، يخدم مصلحة البلاد والعباد، وكذا الأحزاب السياسية، التي أصبح أغلبها ينتظر المناسبات الانتخابية للتقرب من المواطن لحاجة في نفسه حتى إذا قضاها راح لحاله يستعرض منجزاته الوهمية على شاشة التلفزة إن كان حاكما أو في صحفه وألسنة مناضليه القليلون طبعا إن كان خارج السلطة.
الأخلاق يجب أن تنطلق من هذه الشريحة،خاصة منها التي تدعي الثقافة بالنسبة للمنتخبين، أما الأحزاب السياسية، فدورها من هذه الناحية هو تتبع أداء المنتخبين ، وتوجيههم، والتنديد بهم علانية في حالة ضبط أي خروقات في التسيير تضر بمصالح الناس، إذ لاأفهم مثلا أن أجد شارعا رئيسيا في مدينة ما أو قرية ما تعتوره الحفر من بدايته إلى نهايته، أو معطلا من الإنارة العمومية، ولايتدخل الحزب الذي ينتمي إليه رئيس مجلس تلك المدينة أو القرية، فينبه ويوجه ، وهكذا في كل الأمور الأخرى.
طبعا التوجيه يأتي كمرحلة تالية عن التأطير وغرس قناعات وطنية في كل من يريد الترشح،
والتأكد من قيمه الأخلاقية، ومركزه الاجتماعي، الذي يخاف عليه في حالة إخلاله بالقيم المثلى التي انتخب من أجلها.